هذه هي الحقيقة

 

 نعم هذه هي الحقيقة التي يشهد بها التاريخ لأمتنا الإسلامية و للأجيال التي بذلت الكثير و في سبيل العلم فكان لنا السبق و الفضل على الحضارة العلمية التي يعيشها العالم اليوم 

كيف لا و هذه السطور تمجد العقل المسلم عندما يخلص العمل لله سبحانه و تعالى و يعطي الكثير و يبذل الكثير من الجهد و الكفاح في سبيل عقيدته وأمته 

 فالكثير من القوانين المعروفة اليوم نسبت لغير أصحابها و طمست بصماتهم وأختفت الحقيقة أو كادت تختفي 

فهل يمكن أن يحدث ذلك هل يخون التأريخ الحقيقة هل ينزعها من بين سطوره هل يغير التأريخ ضمائر الناس كل الناس حتى يموت هؤلاء المسلمون العظماء و ينمحي ذكرهم هل يعقل هذا  تتلاشى حتى من صدور أبناءهم فتموت الحقيقة حيث أراد لها أعداءهم أن تموت

و إليك بعض الأمثلة في مجال الفيزياء و أنظر و تفكر في هذه الأقوال التي حق لها أن تسطر بماء الذهب:ـ

 

أولاً : الابصار:ـ

في كتابه المناظر الذي انتشر في القرون الوسطى انتشاراً كبيراً و ترجم إلى خمس لغات الذي ناقش فيه أفكار المتقدمين من أصحاب التعاليم و الفلاسفة الطبيعيين الذين كانوا منقسمين في كيفية الابصار إلى فريقين : ـ

أصحاب التعاليم : و يذهبون إلى أن الابصار يكون بخروج شعاع من البصر إلى المبصَر

و الفلاسفة الطبيعيين : يذهبون إلى أنه بورود صورة المبصَر أو شبحه من المبصَر إلى البصر

وقد انبرى الحسن ابن الهيثم إلى إبطال مذهب أصحاب التعاليم ، و كانت الأجيال قد توارثت هذا المذهب عن الإغريق لعدة مئات من السنين ، و جاء ابن الهيثم ليقول بخروج الشعاع من الجسم المُبْصَر إلى بصر الرائي ، و قد فند رأي أصحاب التعليم بقوله أنه إن كان الشعاع الخارج من البصر ـ على زعمهم ـ جسماً مادياً ، فان معنى ذلك أننا إذا نظرنا إلى السماء فرأينا الكواكب ، يكون قد خرج من البصر ـ أي العين ـ جسماً ملأ ما بين السماء و الأرض ، و لم ينقص من البصر شيء ، و هذا في رأي ابن الهيثم محال في غاية الاستحالة و في غاية الشناعة ، 

تكوين العين و وظائفها ـ يقول ماكس مايرهوف في مقالة بعنوان العلوم و الطب نشرت في كتاب تراث الاسلام ـ كان ابن الهيثم أول من رتب أقسام العين و رسمها بوضوح تام و وضع أسماء أخذها عن الطب الغربي

تعريف الضوء ـ قسم ابن الهيثم الضوء إلى قسمين :ـ

القسم الأول : الأضواء التي تشرق من الأجسام المضيئة بذواتها كضوء الشمس و ضوء النار و سماها الذاتية 

القسم الثاني : و هي التي تشرق من الجسام التي ليست مضيئة بذاتها و إنما تشرق منها إذا كانت بجوار الأجسام المضيئة بذاتها أو المضيئة بغيرها و سماها الأضواء العرضية 

انعكاس الضوء ـ شرح ابن الهيثم موضوع الانعكاس الذي يحدث عند سطح الماء أو الزجاج أو المعادن المصقولة و قال بأنه ينقاد إلى قانونين يعرفان بقانوني الإنعكاس ينص الأول منهما على أن الشعاع الساقط و العمود و الشعاع المنعكس تقع جميعها في مستوى واحد ، بينما ينص الثاني منهما على أن زاوية السقوط لزاوية الانعكاس ـ كما شرح انعكاس الضوء بطريقة حديثة جداً مفترضاً أن الضوء شيء مادي ، حيث ينعكس الضوء من الأجسام الصقيلة تماما كما ترتد الكرة من الجسم الصلب عند اصطدامها به  و قد لعبت هذه النظرية دوراً هاماً عبر التاريخ ، و من المؤسف حقاً أن الكثير من علماء الغرب يدعون خطأ أن اسحاق نيوتن 1642-1727 هو مبتكر هذه النظرية أو سنل 

انعطاف الضوء ـ كما علل الحسن ابن الهيثم ظاهرة انعطاف الضوء ـ انكسار الضوء ـ بحسب الوسط الذي يسري فيه ، اذ تكون سرعة الضوء ـ على حد قوله ـ أعظم في الوسط الألطف منها في الوسط الأغلظ و بهذه المعاني حقق ابن الهيثم سبقاً عظيماً على علماء الغرب الذين وقفوا على هذه المفاهيم بعده بقرون

الحركة الموجية للضوء ـ كما يضيف كمال الدين الفارسي دراسات هامة على الإنعطاف المصحوب بالانعكاس الداخلي كما يشير الفارسي في كتابه تنقيح المناظر لذوي الأبصار و البصائر أن الضوء يسري بحركة موجية شأنه شأن الصوت الذي ينتقل في تموجاتحيث يقول بلفظه :ـ والحركة التي مر تقريرها في الأضواء انما هي على نحو حركة الأصوات ، لا على نحو حركة الأجسام

 

ثانياً : القوة الطبيعية:ـ

عرف العرب منذ القرن التاسع للميلاد قوة التثاقل الناشئة عن جذب الأرض للأجسام و أطلقوا عليها القوة الطبيعية و قد أدرك علماء العرب و فلاسفتهم أن قوة التثاقل أو القوة الطبيعية التي أشرنا إليها تتعاظم كلما كبر الجسم ، و في هذا المعنى يقول ابن سيناء في كتابه ـ الاشارات و التنبيهات ـ القوة في الجسم الأكبر ، إذا كانت مشابهة للقوة في الجسم الأصغر حتى لو فصل من الأكبر مثل الأصغر ، تشابهت القوتان بالاطلاق ، فانها في الجسم الأكبر أقوى و أكثر ، إذ فيها من القوة شبيه تلك و زيادة 

وقف علماء العرب و المسلمين تماماً على الجاذبية الأرضية و يتضح ذلك جلياً في كتاباتهم ، منها ما جاء على لسان أبي الريحان البيروني في كتابه القانون المسعودي حيث يقول ـ الناس على الأرض منتصبو القامات على استقامة أقطار الكرة و عليها أيضاً تؤول الأثقال إلى أسفل 

و منها ما جاء في كتابات أبي الفتح عبدالرحمن المنصور الخازني حيث يقول ـ إن الأجسام الساقطة تنجذب نحو مركز الأرض و إن اختلاف قوة الجذب يرجع إلى المسافة بين الجسم الساقط و هذا المركز و يقول الخازني في كتابه ـ ميزان الحكمة ـ الجسم الثقيل هو الذي يتحرك بقوة ذاتية أبداً الى مركز العالم فقط ، أعني أن الثقل هو الذي له قوة الحركة إلى نقطة المركز ـ

و يشبه الإدريسي جاذبية الأرض بجذب المغناطيس للحديد ، فيقول في كتابه ـ نزهة المشتاق في إختراق الآفاق ـ الأرض جاذبة لما في أبدانها من اثقل بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجذب الحديد

 

ثالثا : الثقل النوعي

و قد اهتم علماء العرب و المسلمين بتعيين قيم الثقل النوعي لكثير من المعادن و الأحجار المعروفة عندهم و ذلك باستخدام طرق و أدوات مختلفة ، و قد استعمل أبو الريحان البيروني اناء مخروطي الشكل ذا أنبوب ضيق يندفع منه الماء المزاح بواسطة الجسم الذي يجري غمره ، و بوزن الماء المزاح يمكن حساب الثقل النوعي بقسمة وزن الجسم و هو في الهواء على وزن الماء المزاح و قد توصل البيروني إلى قيم عالية الدقة 

و جدير بالذكر أن علماء المسلمين لم يكتفو بقياس الأوزان النوعية للمواد الصلبة ، و إنما تعدوا ذلك إلى المواد السائلة و كذلك المواد المركبة من مادتين و لعل عبدالرحمن الخازني أول من أجرى هذه القياسات ، فله السبق ، و إليه يرجع الفضل في هذا المضمار 

 

رابعاً : علم الحركة ـ النقلة :ـ

يقول اخوان الصفا ـ من القرن العاشر الميلادي ـ في رسالتهم الخامسة عشر ـ و اما الحركة التي تسمى النقلة ، فهي عند جمهور الناس الخروج من مكان إلى آخر ... ـ

عناصر الحركة ـ يحدد الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه الشفاء ستة أمور ترتبط بحركة النقلة هي الجسم المتحرك ، و الشيء الباعث للحركة أو المحدث لها ، و موضع الجسم، و موضعا بداية الحركة و إنتهائها ، و زمان الحركة 

الحركة الانتقالية و الحركة الوضعية ـ قسم فلاسفة العرب الحركة إلى حركة انتقالية و أخرى وضعية فبالحركة الإنتقالية قصدوا انتقال المتحرك كلية عن موضعه إلى موضع أو مكان آخر ، أما الحركة الوضعية فقد وصفوا بها تبدل أوضاع المتحرك دون انتقال أجزائه الى خارج مكانه ، و مثلوا لهذه الحركة بحركة الرحا و حركة الدولاب ـ العجلة ـ

الحركة الطبيعية و الحركة القسرية ـ و قصد بها علماء العرب حركة الجسم الذي يسعى إلى موضعه الطبيعي ، مثال ذلك حركة الجسم الساقط من علو تحت تأثير عجلة الجاذبية الأرضية له  أما الحركة القسرية فهي تلك الحركة التي تنشأ عن تسليط قوة قاهرة أو بتعبير آخر قوة قاسرة ترغم الجسم على الخروج عن وضعه الطبيعي مثل قذف حجر إلى أعلى 

كما فطن علماء العرب الى مكان اجتماع الحركتين الطبيعية و القسرية كما هو الحال عند رمي السهام حيث تتعرض السهام لقوة رمي الرامي و تخضع لتأثير الجاذبية الأرضية أثناء حركتها 

علاقة الحركة بالزمان ـ اتفق فلاسفة العرب على أن الحركة ترتبط ارتباطاً اساسياً بالزمان و أنه يصبح ضربا من المحال أن تجري حركة في غير فترة زمنية محددة طالت أم قصرت ، من ذلك ما جاء على لسان بهمنيار بن المرزبان في كتابه التحصيل حيث يقول ـ و كل سرعة في زمان لأن كل سرعة هي في قطع مسافة أو ما يجري مجرى المسافة و كل ذلك في زمان 

تحليل الحركة إلى مركبتين ـ يشير الحسن بن الهيثم في كتابه المناظر إلى فكرة تحليل سرعة الجسم المصادم إلى مركبتين سماهما قسطين ، متعامدين على بعضهما و قد جاء ذلك في معرض شرحه لكيفية انعكاس الضوء و ذلك بالتمثيل بحركة كرة صغيرة ملساء من الحديد أو النحاس تسقط على سطح مستوٍ فترتد عنه 

كمية الحركة :ـ يقول الحسن بن الهيثم في الفصل الثالث من المقالة الرابعة من كتاب المناظر "و المتحرك إذا لقي في حركته مانعاً يمانعه ، و كانت القوة المحركة له باقية فيه عند لقائه الممانع ، فإنه يرجع من حيث كان في الجهة التي منها تحرك و تكون قوة حركته في الرجوع بحسب قوة الحركة التي كان تحرك بها الأول ، و بحسب قوة الممانعة 

قوانين الحركة :ـ

جرى العرف على نسبتها الى العالم الانجليزي الشهير اسحاق نيوتن 1642-1727م التي نشرها في كتابه المسمى الأصول الرياضية للفلسفة الطبيعية و حقيقة الأمر أن الفضل يرجع بلا شك إلى نيوتن في تجميع هذه القوانين و وضع القانون الثاني منها بالتحديد في قالب رياضي إذ أن علماء العرب و قفوا فعلاً على القانونين الأول و الثالث و كانوا قاب قوسين أو أدنى من القانون الثاني للحركة و جهد علماء العرب واضح في هذا المجال تدعمه النصوص الموثقة و على سبيل المثال 

القانون الأول للحركة :ـ

يقول الشيخ الرئيس ابن سينا في كتابه الإشارات و التنبيهات : انك لتعلم أن الجسم إذا خلي و طباعه ، و لم يعرض له من خارج تأثير غريب ، لم يكن له بد من موضع معين و شكل معين ، فإذن في طباعه مبدأ استيجاب ذلك ـ كما يقول و ليست المعاوقة للجسم بما هو جسم ، بل بمعنى فيه يطلب البقاء على حاله 

القانون الثاني للحركة :ـ

تأمل ما يقوله هبة الله بن ملكا البغدادي في كتابه المعتبر في الحكمة : و كل حركة ففي زمان لا محالة ، فالقوة الأشدية تحرك أسرع و في زمن أقصر فكلما اشتدت القوة ازدادت السرعة ، فقصر الزمان ، فإذا لم تتناه الشدة لم تتناه السرعة و في ذلك تصير الحركة في غير زمان أشد لأن سلب الزمان في السرعة نهاية ما للشدة 

فأنظر لم يقل ابن ملكا سلب الزمان في قطع المسافة وانما قال سلب الزمان في السرعة و هذا معنى التسارع 

القانون الثالث للحركة :ـ

يقول أبو البركات هبة الله بن ملكا في كتابه المعتبر في الحكمة أن الحلقة المتجاذبة بين المصارعين لكل واحد من المتجاذبين في جذبها قوة مقاومة لقوة الآخر ، و ليس إذا غلب أحدهما فجذبها نحوه يكون قد خلت من قوة جذب الآخر ، بل تلك القوة موجودة مقهورة ، و لولاها لما احتاج الآخر إلى كل ذلك الجذب

كما يرد نفس المعنى في كتابات الإمام فخرالدين الرازي في كتابه المباحث المشرقية في علم الالهيات و الطبيعيات حيث يقول : الحلقة التي يجذبها جاذبان متساويان حتى وقفت في الوسط ، لا شك أن كل واحد منهما فعل فيها فعلاً معوقا بفعل الأخر 

 
و ختاماً فإننا نهيب بمجتمع العلماء أن يعيدوا النظر في نسبة بعض القوانين ، و ان يسعوا جادين مقتنعين بأحقية بعض علماء العرب و المسلمين في نسبة بعض الإنجازات في علم الحركة إليهم فينسبون قوانين التصادم للحسن بن الهيثم ، و القانون الأول للحركة لابن سينا ، و القانون الثالث للحركة لابن ملكا البغدادي ، و لا غرو فهم السابقون حقاً إليها .
 

عودة